ابن كثير
194
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
فقالت : تعس من كفر باللّه ! فقالت لها بنت فرعون : ولك رب غير أبي ؟ قالت : ربي ورب أبيك ورب كل شيء اللّه ، فلطمتها بنت فرعون وضربتها وأخبرت أباها ، فأرسل فرعون إليها فقال : تعبدين ربا غيري ؟ قالت : نعم ربي وربك ورب كل شيء اللّه وإياه أعبد ، فعذبها فرعون وأوتد لها أوتادا فشد يديها ورجليها وأرسل عليها الحيات ، فكانت كذلك ، فأتى عليها يوما فقال لها : ما أنت منتهية ؟ فقالت له : ربي وربك ورب كل شيء اللّه . فقال لها : إني ذابح ابنك في فيك إن لم تفعلي فقالت له : اقض ما أنت قاض ، فذبح ابنها في فيها ، وإن روح ابنها بشرها فقال لها : أبشري يا أمه فإن لك عند اللّه من الثواب كذا وكذا ، فصبرت ثم أتى عليها فرعون يوما آخر فقال لها مثل ذلك ، فقالت له مثل ذلك ، فذبح ابنها الآخر في فيها ، فبشرها روحه أيضا وقال لها : اصبري يا أمه فإن لك عند اللّه من الثواب كذا وكذا ، قال : وسمعت امرأة فرعون كلام روح ابنها الأكبر ثم الأصغر ، فآمنت امرأة فرعون وقبض اللّه روح امرأة خازن فرعون ، وكشف الغطاء عن ثوابها ومنزلتها وكرامتها في الجنة لامرأة فرعون حتى رأت ، فازدادت إيمانا ويقينا وتصديقا فأطلع اللّه فرعون على إيمانها فقال للملأ : ما تعلمون من آسية بنت مزاحم ؟ فأثنوا عليها فقال لهم : إنها تعبد غيري ، فقالوا له : اقتلها . فأوتد لها أوتادا فشد يديها ورجليها فدعت آسية ربها فقالت رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ فوافق ذلك أن حضرها فرعون ، فضحكت حين رأت بيتها في الجنة ، فقال فرعون : ألا تعجبون من جنونها إنا نعذبها وهي تضحك ، فقبض اللّه روحها في الجنة رضي اللّه عنها . وقوله تعالى : وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها أي حفظته وصانته ، والإحصان هو العفاف والحرية فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا أي بواسطة الملك وهو جبريل فإن اللّه بعثه إليها فتمثل لها في صورة بشر سوي ، وأمره اللّه تعالى أن ينفخ بفيه في جيب درعها ، فنزلت النفخة فولجت في فرجها فكان منه الحمل بعيسى عليه السّلام ، ولهذا قال تعالى : فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ أي بقدره وشرعه وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ . قال الإمام أحمد « 1 » : حدثنا يونس ، حدثنا داود بن أبي الفرات عن علباء عن عكرمة عن ابن عباس قال : خط رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في الأرض أربعة خطوط وقال : « أتدرون ما هذا ؟ » قالوا : اللّه ورسوله أعلم . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أفضل نساء أهل الجنة : خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ومريم ابنة عمران وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون » . وقد ثبت في الصحيحين من حديث شعبة عن عمرو بن مرة عن مرة الهمداني عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون ومريم ابنة عمران وخديجة بنت خويلد ، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على
--> ( 1 ) المسند 1 / 293 .